Wednesday, March 19, 2014

محمد حسين هيكل : مقارنات - جريدة الأخبار ١٩ أكتوبر ١٩٥٦


الذكاء والذاكرة

عقد الكاتب الفرنسي الكبير في إحدى قصصه فصلًا قارن فيه بين الذاكرة والذكاء، وأيهما أجدى على صاحبه، وقد أبدى في مستهل كلامه أن المقارنة متعذرة؛ لأنها بين شيئين مختلفين لا يشتركان في شيء يمكن اعتباره أساسًا للمقارنة، لكنه رأى بعد ذلك أنه لا يستطيع أن يرى الذكاء والذاكرة منفصلًا كلٌّ منهما عن الآخر تمام الانفصال، وكل الذي نستطيع أن نقوله أن مقاديرهما تختلف من شخص إلى شخص، وبين شعب وشعب؛ فإذا وضعنا للذكاء مائة وللذاكرة مائة، وكان أحد الأشخاص يتمتع بثمانين في المائة ذكاءً وثلاثين في المائة ذاكرةً، وكان غيره يتمتع بنسب تختلف عنه — ولكنا لا نستطيع أن نتصور شخصًا عديم الذاكرة إطلاقًا أو عديم الذكاء إطلاقًا — والمقارنة متعذرة بالفعل لسبب أساسي، فصور الذكاء تختلف، وصور الذاكرة تختلف، فمن الناس من عندهم ذاكرة قوية في الألوان، وآخرون ذاكرتهم قوية في الأصوات وهلم جرًّا، والذكاء كذلك يختلف؛ فمن الناس من هم أذكياء في التجارة، وفيهم من هم أذكياء في العلم أو في الاختراع، ويتعذر أن يعقد الإنسان مقارنة منتجة بين هذه الصور والألوان المختلفة من الذكاء والذاكرة.

الذكاء والجمال

عرفت في شبابي شقيقتين كانتا تلميذتين في المدرسة السنية، وكنت أراهما آخر كل أسبوع، وقالت لي الصغرى ذات يوم في شيء غير قليل من الزهو: أتعرف ما قالته لي معلمتنا اليوم؟ قالت: إنني أجمل من أختي. وكانت أختها ذكية وكانت متفوقة على قريناتها دائمًا، لكن الصغرى لم تعبأ بذلك بعد أن سمعت أنها أجمل من أختها الكبرى!
وأحسب أن ذلك شأن الجنس اللطيف جميعًا، فالجمال عندهن في المكانة الأولى، وهن لا يُعْنَيْنَ بأن الجمال يذوي بتقدم السن، فهن لهن الحاضر، حسبهن جمال اليوم عن التفكير في مصير الغد!
أما الرجال فلا أحسبهم يقدِّرون الجمال إلى جانب الذكاء؛ لأن الذكاء هو وسيلتهم إلى التقدم في الحياة، وذوو الجمال من الرجال يُعْنَوْنَ مع ذلك بجمالهم؛ لأنه وسيلتهم إلى التقرب من الإناث، وهذا التقرب له أهمية بحكم الطبيعة وبحكم الهوى، فمن غير المعقول ألا ينال نصيبًا من عنايتهم.
لكنهم أكثر من النساء تقديرًا لما يجني تقدم السن على الجمال، وإن آمن أكثرهم بأنه أطول عمرًا من جمال النساء.
وأحسبهم على حق حين يقدِّرون الذكاء ويرتفعون به فوق أي اعتبار آخر؛ فهو عونهم في الحياة طول العمر.

كارل زيمر : الهندسة الوراثية للحياة البرية


في أبريل الماضي، كتبت في مجلة ناشونال جيوجرافيك عن فكرة «إعادة الأنواع المنقرضة إلى الحياة» المثيرة للجدل. وخلال الخمسة أشهر التي مضت منذ ذلك الحين، لم تقع عيناي على أي أفيال ماموث أو أُسود سيفية الأسنان هائمة عبر ساحة منزلي الأمامية. إذا أصبحت فكرة «إعادة الأنواع المنقرضة إلي الحياة» يومًا حقيقةً، فإن ذلك لن يكون إلا قبل وقت طويل.
لكن ما «رأيته» على مدار الأشهر الخمسة الماضية هو نقاش جديد، وقد دار جزء من هذا النقاش حول التفاصيل الدقيقة ﻟ «إعادة الأنواع المنقرضة إلى الحياة». بعض الأشخاص منفتحون على احتمالات إعادة بناء جينومات وأجِنَّة الأنواع المنقرضة، ويجد بعض الأشخاص أن هذا الأمر ليس سوى تشتيت خاطف للأذهان عن العمل الحقيقي المتمثِّل في مكافحة موجة عمليات الانقراض الحاليَّة.
لكن هذا النقاش يتجاوز أفيال الماموث والأُسُود سيفية الأسنان؛ إذ إنها تدفعنا إلى التفكير في مسألة إلى أي حَدٍّ نستطيع — أو يتعين علينا — التلاعب في الحمض النووي للحيوانات والنباتات البرية. هذا السؤال ينطبق على الحيوانات المنقرِضة الهالكة بالإضافة إلى الحيوانات المهدَّدة بالخطر التي تسعى حثيثًا على طريق الانقراض. ومع التقديرات بأنه على الأقل من ١٥ إلى ٤٠ بالمائة تقريبًا من الأنواع البيولوجية ستنقرض فعليًّا بحلول عام ٢٠٥٠، فإن ذلك الطريق واسع بحق. أليس من المستحسن استخدام الهندسة الوراثية لحماية بعضٍ من هذه الأنواع؟
في عدد اليوم من مجلة نيتشر، تذهب مجموعة من علماء الأحياء المعنيين بالحفاظ على البيئة بهذا النقاش إلى آفاق أبعدَ كثيرًا؛ إذ يتحدثون عن اجتماع عقدوه الربيع الماضي في نيومكسيكو لمناقشة الكيفية التي سيدفع بها المُناخ المتغيِّر بعض الأنواع إلى الانقراض، والإجراء الذي يمكن اتخاذه إزاء ذلك.
على مدار سنوات قليلة مضت، جادل بعض علماء الأحياء المعنيون بالحفاظ على البيئة بأنه ينبغي علينا أن ننقل الأنواع البيولوجية إلى أماكن ترتفع فيها احتمالية بقائها على قيد الحياة. ومن ثَمَّ، إذا كانت درجة الحرارة في فلوريدا سترتفع جدًّا خلال الخمسين عامًا القادمة، مما يهدد بقاء شجرة بعينها؛ فلتُنقَل هذه الشجرة إلى فيرجينيا.
لكن، ماذا لو أن علينا نقل الجينات بدلًا من ذلك؟ هذا هو السؤال الذي تدارسه العلماء الذين حضروا اجتماع نيومكسيكو.
استند نقاشهم إلى حقيقة أن الحيوانات والنباتات قد طوَّرت جينات جعلتها تتأقلم مع البيئات التي تعيش فيها. فحين تُنقَل الأشجار إلى سهول أصابها الجفاف، قد يفضِّل الانتخاب الطبيعي جينات تساعدها على الاحتفاظ بمياهها. وحين تظهر مسبِّبات الأمراض، قد يفضل الانتخاب الطبيعي جينات تجعل الأجسام العائلة مقاوِمة للمرض، وإذا ما أصبحت فلوريدا أشبه بالبرازيل — على سبيل المثال — فقد تساعد الجينات البرازيلية الأنواع البيولوجية على البقاء على قيد الحياة في فلوريدا. (أما بالنسبة للجينات التي قد ننقلها للأنواع في البرازيل … حسنًا، هذا أمر من الصعب تحديده.)
لقد استفاد المزارعون ومربُّو الماشية من التنوُّع الجيني لقرون، وقد هجَّنوا سلالات مختلفة لخلق مجموعة من الصفات التي يرغبونها. أحيانًا، استخدم علماء الأحياء المعنيون بالحفاظ على البيئة عمليةَ التهجين كذلك للحفاظ على الأنواع المهددة بالانقراض.
على سبيل المثال، في فلوريدا أصبح مجتمع النمر الفلوريدي المتناقص يتوالد داخليًّا؛ ممَّا ترتب عليه تضاؤل في قدرة هذا النوع على التكاثر؛ فأدخل علماء الأحياء المعنيُّون بالحفاظ على البيئة ثمانيةً من نويع من أقارب النمور الفلوريدية يعيش في تكساس إلى ذلك المجتمع. وقد مضى اثنا عشر عامًا منذ أن جرى هذا التهجين، والآن أصبحت تجميعة الجينات الخاصة بهذا المجتمع تحتوي على تنويعات أكثر.
يُمكن أن تكون عملية التهجين مؤثرةً جدًّا، لكنها كذلك بطيئة وغير كفء؛ فهي تخلط قدرًا كبيرًا من الحمض النووي معًا بكثير من الطرق المختلفة، وبعد ذلك ينتقي المربُّون العناصر الهجينة التي تبدو الأمثل أداءً. وخلال العقود الأخيرة، أتاحت الهندسة الوراثية نقل جينات فردية من نويع إلى آخر، بل ومن نوع إلى آخر. وقد يكون من الممكن نقل الجينات إلى الأنواع البرية لمساعدتها على النمو. يشير العلماء الذين حضروا اجتماع نيومكسيكو إلى نسخ مختلفة من جين في سلمون قوس قزح المرقط — التي اكتُشِفت في وقت سابق من هذا العام — تساعد الأسماك على البقاء على قيد الحياة في المياه الدافئة. ومن الممكن نقل هذه النسخ إلى أنواع مختلفة من السلمون المرقط التي ستكون مهددة بفعل درجات حرارة الأنهار الآخذة في الارتفاع.
يطلق العلماء على الهندسة الوراثية للحياة البرية «التكيُّف الميسر». ورغم أنهم مستعدون لإعطائها اسمًا، فإنهم لا يرغبون في الانطلاق في هذا المجال قبل الكثير من الدراسة؛ إذ إنهم يريدون التأكد من أن التكيُّف الميسر لا يسبب ضررًا للأنواع التي تقِف على شفير الانقراض بالفعل. ففي أغلب الأحيان، يؤدي الجين أكثر من وظيفة واحدة؛ ومن ثَمَّ، حتى إذا كان للجين المنقول أثر واحد مفيد، فقد تكون له آثار أخرى خطيرة.
كذلك يشعر العلماء بالقلق إزاء احتمالية أن يثبِّط التكيُّف الميسر طاقة مكافحة أسباب أزمة الانقراض الحالية. فإذا ما أخبرنا العلماء أن باستطاعتنا إجراء عمليات هندسة وراثية للبطاريق لتعيش في درجات حرارة دافئة، فمَن سيحتاج إلى فعل أي شيء إزاء تغير المناخ حينئذٍ؟
لكن حتى وإن أوقفنا تدفئة كوكب الأرض غدًا فستظل الأنواع المهددة بالانقراض تواجه أخطارًا أخرى، والتي قد تؤدي الهندسة الوراثية إلى تلافي بعضها. نحن الجنس البشري ننقل مسبِّبات الأمراض إلى جميع أرجاء الكوكب، جالبين أمراضًا جديدة إلى أماكن جديدة. لقد قَتَلَ فِطرٌ قادم من أوروبا ملايين الخفافيش في الولايات المتحدة دون أن يردعه شيء. فإذا ما استطاع العلماء تحديد السبب وراء عدم موت الخفافيش في أوروبا من هذا الفطر، فقد يتمكنون من إدخال هذه النسخة المختلفة من الجين إلى الخفافيش الأمريكية لتقاوم الفطر.
وإذا كان هذا الأمر يبدو كما لو أنه تفكير قائم على التمني، ففكِّرْ في حالة أشجار الكستناء الأمريكية. مثلما كتبت في مدونة «ذا لووم»، ثمة فِطرٌ آخر قد قضى تقريبًا على هذه الأشجار. لكن جينات مكافحة الفطر المأخوذة من نباتات أخرى تعيدها إلى الحياة مرة أخرى في الوقت الحالي.
سينتابني شعور بالفضول الشديد لرؤية الكيفية التي ستجري بها هذه المرحلة الجديدة من النقاش خلال الأسابيع القادمة. لكني كذلك آمل ألا يحيد هذا النقاش عن الحدود الأيديولوجية الآمنة.
قد يجادل معارضون بأن عملية نقل الجينات من كائن حي إلى آخر يُعتبر انتهاكًا لتنوع الطبيعة، لكن هذه نظرة رومانسية للحياة تعود إلى ما قبل ثورة الجينوم؛ إذ إن الجينات ما برحت تتدفق من أنواع إلى أخرى لمليارات السنين.
وقد يعتبر بعض مؤيدي الهندسة الوراثية هذا الأمر حلًّا سهلًا لأزمة الانقراض التي نواجهها، لكن حسبما أتوقع، لن تقدم الهندسة الوراثية أي إفادة في حالات عديد من الأنواع؛ حيث لا يمكنك تغيير جين بعينه لدى الأفيال لجعلها مقاوِمة للرصاص. وحتى في حالة الأنواع التي يمكن إنقاذها، لا يعرف العلماء سوى قليل جدًّا عن الجينات التي يمكنها إنقاذها. لقد بدأ العلماء في جمع القليل الذي يعرفونه عن التنوع الجيني للحياة معًا، لكنهم لا يزالون يخطون خطواتهم الأولى على ذلك الدرب، والوقت المتبقي أمام كثير من الأنواع لم يعد طويلًا للأسف.
Genetically Engineering the Wild by Carl Zimmer. The Loom. September 26, 2013.

طه حسين : سحر العمر: بقلم الأستاذ توفيق الحكيم - جريدة أخبار اليوم ٣٠ يناير ١٩٦٥



ليس هذا الكتاب تاريخًا لحياة الأستاذ توفيق الحكيم فيما يقول، ولكنه تصوير دقيق لحياته إلى أن أصبح كاتبًا معروفًا، وما أظن هذا يرضيه، ولكنه الحق على كل حال.
فالذي يُنبئُنا بأنه وُلِد هادئًا لا يصيح ولا يبكي كما يفعل كل وليد، والذي يحدثنا عن طفولته الأولى وعن تعلمه منذ اختلف إلى الكتاتيب، ثم إلى المدرسة الابتدائية إلى أن يظفر بإجازة القانون، والذي يحدثنا عن البيئات المختلفة التي تنقل بينها أثناء طفولته الأولى، وفي آخر الصبا وأول الشباب، ويحدثنا عن ذهابه إلى فرنسا وعودته منها دون أن يظفر بإجازة الدكتوراه؛ لأنه لم يحفل بالقانون، وإنما عني بالثقافة عامة، وفن التمثيل خاصة، والذي يصور لنا حياته في باريس، وعودته إلى مصر، وتقلُّبه بين المناصب المختلفة، إنما يكتب لنا تاريخ حياته.
بل هو يذهب إلى أبعد من هذا، فهو يحاول أن يفسر هذه الحياة، ويرد كثيرًا من ظواهرها إلى الوراثة، ويحاول أن يرد هذه الوراثة إلى أبويه يعطي كل واحد منهما نصيبه من هذه الحياة. ولا يكتفي بكتابة تاريخ حياته، ولكنه يجتهد في أن يفلسفها، ويريد أن يقسم ظواهر حياته بين أبويه، فيحدثنا عما يمكن أن يكون قد ورث من طبع أبيه، وما يمكن أن يكون قد ورثه عن طبع أمه، إنما يصور تاريخ حياته تصويرًا دقيقًا، ويضيف إليها فلسفتها، وهو مع ذلك ينبئنا بأنه لم يكتب تاريخ حياته.
وسواء أرضاه هذا الحديث أم لم يرضه، فإني أؤكد أنه قد أعطانا صورة واضحة لحياته كل الوضوح، دقيقة كل الدقة، ومع أنه يزعم أن أمله أكبر من جهده، وأن جهده أكبر من موهبته، وأن موهبته سجينة طبعه الذي ورث أكثره عن أبويه؛ فإني أؤكد أولًا أن أمل كل كاتب أكبر من جهده، وأن هذه هي مزية الكاتب الجدير بهذه الصفة، كما أنها مزية الشاعر الممتاز والفنان البارع بوجه عام، وويل للأديب الذي يكون أمله على قدر جهده؛ فهذا الرجل ليس من الأدب الحق في شيء، إنما هو الأديب المتكلف، والمتكلف لما لا يحسن ولما لم يخلق له. وأما أن يكون جهده أكبر من موهبته، فقد يكون هذا على شيء من الحق؛ لأن الأستاذ توفيق ينحرف عن موهبته أحيانًا، ويغامر بها فيما لم تُهيَّأ له كما فعل في أمرين — على الأقل — أذكرها الآن.
أولهما: حين أراد أن يكون فيلسوفًا وينشئ نظرية التعادل، مع أن موهبته لم تخلق للفلسفة ولم تهيأ لها، وإنما خلقت لإنشاء القصص التمثيلي الممتع، والثاني: حين حاول أن يكتب القصص غير المعقول، فكتب يا طالع الشجرة وما يشبهها، مع أنه لم يخلق لهذا، وإنما خلق ليكون معقولًا حين يكتب وحين يقرؤه قُرَّاؤه. وأما أن موهبته سجينة طبعه، فلا غرابة في هذا؛ لأن المواهب كلها سجينة الطباع التي فطر عليها أصحابها، وليس من الممكن غير هذا؛ لأن مانحها يلائم دائمًا بين ما يَهبُ وما يفطر الناس عليه، فلا يُؤاخِذُ الأستاذ توفيق إذا قلتُ: إن هذه العبارة التي ابتدأ بها كتابه أشبه شيء بالسراب يحسبها الظمآن ماء حتى إذا جاء لم يجد شيئًا.
وبعد هذا كله أقول — لا لأرضي صاحب الكتاب، بل لأرضي الحق: إن هذا الكتاب ممتع، وأشهد لقد قرأته مرتين في أقل من ثلاثة أيام، وأقل ما فيه من المتعة أنه يصور حياة كاتب بارع أحبه الناس وكلف به أكثرهم، ثم لا يكتفي بتصوير حياة الكاتب وحده، وإنما يصور حياة أبويه. ولست أدري ماذا يكون تاريخ الحياة إذا لم يكن وصفًا دقيقًا لمولد الكاتب ونشأته وأطواره التي تنقل بينها حتى انتهى إلى مكانته المرموقة الآن، وإذا دل هذا على شيء، فإنما يدل على أن أمل الأستاذ توفيق الحكيم أكبر من جهده. قد أرَّخها تاريخًا دقيقًا. وحياته في نفسها جديرة بأن تُؤرَّخ؛ فهي حياة نادرة في بيئتنا، وإن كانت مألوفة في بيئات كثيرة.
وقد نبأنا أنه مشغوف بالكاتب الفرنسي أناتول فرانس، فليعلم إذن أن هذا الكاتب الفرنسي العظيم لم يظفر بالشهادة الثانوية، وإنما أضحك منه لجنة الامتحان حتى وصفه أحد الممتحنين بأنه حمار؛ فليحمد صديقنا لربه أنه قد ظفر بالشهادة الثانوية، وبشهادة الليسانس في الحقوق، ولا بأس عليه إن لم يظفر بالدكتوراه، بل هو المسئول الأول عن ذلك؛ لأنه حين ذهب إلى باريس لم يطلب هذه الدرجة، وإنما طلب الثقافة العامة وفن القصص التمثيلي. ودرجة الدكتوراه في الحقوق، أو في الآداب، أو ما شئت من الدراسات لا تهبط على الناس من السماء، وإنما على الناس أن يَجِدُّوا ويَكِدُّوا ليظفروا بها.
وصاحبنا لم يبذل في سبيل الدكتوراه جهدًا أكبر من موهبته أو أصغر منها، ولو كان أبواه في باريس حين ذهب إليها لبذل هذا الجهد، ولأصبح دكتورًا في الحقوق على رغمه.
والمهم هو أنه كتب لنا كتابًا قيِّمًا ممتعًا؛ لا لأنه أرَّخ لنا حياة كاتب ممتاز فحسب، بل لأنه مع ذلك أرخ للتمثيل في مصر تأريخًا دقيقًا مفصلًا شيِّقًا واضحًا كل الوضوح، ثم صور لنا حياته الأدبية أدق تصوير وأبرعه، حتى كأننا كنا معه نسجل ما اختلف عليه من الأطوار. وليس هذا كله بالشيء القليل، وإذا كان هذا كله لا يكفيه ولا يرضيه؛ فليس ذلك غريبًا ولا متناقضًا لطبائع الأشياء؛ لأن الكاتب المتقن لفنه لا يرضى عما يكتب إلا إذا ملأه الغرورُ واستأثر بعقله وطبعه.
وقد كنا نجهل — أو كان أكثر قرائه يجهلون — أنه قد كتب القصص التمثيلي أثناء دراساته في مصر، وأن بعض ما كتب قد أتيح له أن يُمثَّل ويراه النَّظَّارة، ولم أكن أعلم أنه كان يكتب شعرًا أو ما يشبه الشعر. كان يكتب كلامًا يلحنه الملحنون، ويغنيه المغنون، ولست أدري لما أعرض منذ ذهب إلى فرنسا عن هذا اللون من الكلام الذي يغني فيه. ومن يدري لعله لو استمر على كتابة هذا النوع من الشعر وما يشبه الشعر لكان أكثر من كاتب القصص التمثيلي، ولأضاف إلى ذلك إنشاء الأوبرا والأوبريت، ولكن فرنسا فيما يظهر قد صرفته عن هذا اللون من القول.
وأنا أشكر للكاتب إشارته إليَّ وذِكْرَه أننا صِرْنا صديقين، ولكني لا أدري لماذا لم يبين كيف صرنا إلى الصداقة. ومن يدري لعل ذلك لأن طبعه أكبر من موهبته ومن جهده ومن أمله معًا؟
ويقول الكاتب: إنه قد ورث عن أبيه — رحمه الله — كثيرًا من الخصال؛ منها: إيثار كالاقتصاد في الإنفاق والقول، ولعله قد نسي خصلة أخرى، وإن كنت لا أدري عمن ورثها؛ وهي الاقتصاد في الحركة أيضًا.
فهو قليل الحركة لا يطيق إنفاق جهده في شيء غير الكتابة، ولعله لا يشق على نفسه وحدها في ذلك، وإنما يشق على غيره أيضًا، ولست أدري أكان أبوه — رحمه الله — تغريه وتسيطر عليه رؤية الدنانير، ولكني أعلم لأنه سجل ذلك في بعض كتبه. أعلم أنه كان يساوم ناشرًا للكتب، فلما رأى في يد هذا الناشر ورقة مالية لم يستطع أن يستمر في المساومة، وإنما أعطى الكتاب وأخذ الورقة ذات العشرة الجنيهات.
ولست أصدق ما يردده دائمًا من أنه يؤثر المال إلى حد البخل به، لا أصدق ذلك لأني جربت كرمه وسخاء يده في البذل، وقد قلت ذلك حين استقبلته في المجمع اللغوي، وإن كان قد عتب علي في ذلك بعد انتهاء الجلسة، معللًا عتبه بأن هذا القول قد يطمع فيه الناس، ويغري به أصحاب الحاجات.
وأنا على كل حال أهدي إلى الكاتب الصديق تهنئة خالصة، وشكرًا جميلًا؛ لأنه تفضل فلم يرسل إليَّ كتابًا من كتبه منذ سنين، فله الشكر كل الشكر، وإن كنت أرجو أن يأذن لي في أن آخذ شيئًا من هذا الشكر لأهديه إلى الصديق الكريم الذي أعارني هذا الكتاب.

Tuesday, March 18, 2014

سيث جوديس : أحد عشر درسًا يمكن أن تتعلمها المؤسسات من المطارات



لقد أدركت أنني لا أستاء من الطيران، وإنما من المطارات. وثمة أشياء كثيرة جدًّا يمكن أن نتعلمها من الأخطاء التي تُرتَكَب فيها:
(١) لا يوجد شخص مسئول؛ فالمطار لا يبدو أن له رئيسًا تنفيذيًّا، وحتى إن وُجِد، فلن تراه أو تسمع عنه أو تتعامل معه بأي شكل من الأشكال. فعندما يكون الرئيس لامباليًا، تنتقل تلك اللامبالاة إلى مرءوسيه.
(٢) المشكلات تظل قائمة؛ لأن المؤسسات تحمي دائرة نفوذها عوضًا عن احتواء المشكلة. فإدارة أمن وسائل المواصلات تلقي باللوم على مسئولي المرافق، الذين يلقون باللوم بدورهم على جهة أخرى، وهكذا دواليك. فلن تتغير الأمور إلا عندما تصبح مشكلة المستخدِم هي الدافع المحرِّك للسلوك (مقابل الحفاظ على السلطة أو على الوضع القائم).
(٣) الطعام موجَّه دون مواربة لشريحة السوق الوسطى (المتلاشية)؛ فالأشخاص الذين يحبون اللحم المطهو على البخار وأكياس البطاطس المقلية لا يواجهون أبدًا مشكلة في إيجاد طعام يتناولونه في المطار. فالظاهر أن البائعين الراغبين في تعظيم الأرباح لم يدركوا أننا جميعًا صرنا أغرب بكثير من ذي قبل.
(٤) على غرار الجامعات، تنظر المطارات إلى عميلها على أنه عابر سبيل مغلوب على أمره. فأنت سترحل غدًا، ولكنهم سيبقون.
(٥) بالقضاء على عامل التمهل في أداء العمل، تخلق شركات الطيران الفشل. فبغية زيادة الأرباح، تجتهد شركات الطيران لكي يقلع أكبر عدد ممكن من الرحلات على كل طائرة يوميًّا. نتيجةً لذلك، لا يكون ثمة احتياطات، ولا وقت تعطُّل، ولا مرونة. فشركات الطيران إذ تفترض أن قاعدة عملائها تفضِّل توفير المال لا القلق، تخلق نظامًا مشحونًا بالقلق.
(٦) إدارة أمن وسائل المواصلات تحكمها الخرافات لا الوقائع؛ فهي تتصرف دون استناد إلى بيانات، وتفتعل تمثيلية خطيرة إلى حد كبير وإن كانت في النهاية عديمة الجدوى. وبعد مرور عشرة أعوام، صارت تلك التمثيلية وضعًا قائمًا راسخًا، يزداد سوءًا باستمرار.
(٧) التصرف حسب الظروف ممنوع. فتخيل أن يأتي موظف في شركة الطيران بسلك تمديد ومُشتَرَك كهربي للتعامل مع حدث يتكرر يوميًّا هو تكدُّس المسافرين في الركن حول مقبس كهربائي واحد. هذا من المحال! فثمة نزوع إلى الدوام والتحسين، لا السرعة والفعالية.
(٨) الجميع يُعاملون بالطريقة ذاتها. والمؤسسات الفعالة تعامل الأشخاص المختلفين بأساليب مختلفة. ورغم محاولات تزيين الصورة عند الأطراف بعض الشيء (أقصد شركات الطيران من الدرجة الأولى الأسرع قليلًا وتخصيص عربات أوتوماتيكية لكبار السن أيسر استخدامًا بعض الشيء)، فبصفة عامة، تصرُّ شركات الطيران على أن المقاس الذي تختار أن تقدمه يناسب الجميع.
(٩) من المحتمل أن تحدث مفاجآت سيئة كثيرة، ولكن ليس ثمة مفاجآت سارة. فقد تُلغَى رحلتك، أو تتعرض للتفتيش بالتعرية، أو حتى تذهب للمطار الخطأ. ولكن كل احتمالات السرور قُضِي عليها. مع أن إحداث تحول تام في التجربة من كونها مهمة ثقيلة إلى تجربة سارة أمر لا يتطلب جهدًا كبيرًا.
(١٠) إنهم يفتقرون إلى القدرة على الإبداع وترك بصمة؛ فكل من يعبر البوابات لا يترك أثرًا، وكل صباح يبدأ كل شيء مجددًا. فليس ثمة صلات تربط بين الأشخاص، سواء الركاب أو طاقم العمل. فلا أحد يقول: «مرحبًا بعودتك» وهو تصرف صادق؛ إذ لا يشعر أحد أنه موضع ترحاب بصفة خاصة.
(١١) لا أحد يشعر بالابتهاج. فمعظم الناس الذين يعملون في المطارات تغلب عليهم سمات عمال المقابر بالضبط. فقد صارت المنظومة صناعية إلى حد أن صارت التعبيرات الشخصية ممنوعة فيما يبدو.
كما نرى في كثير من المؤسسات التي يئول بها الحال إلى ذلك، يخطئ المطار فَهْمَ سيطرته على السوق على أنها احتكار لا يدع أمام العملاء خيارًا آخر (ونحن لدينا خيار بالفعل، وهو أن نبقى في دارنا). وفي إطار سعي تلك المؤسسات وراء النتائج الموثوقة التي يمكن التنبؤ بها، فإنها تنزَع العامل البشري من كل شيء، متظاهرةً بأن ذلك سوف يزيد الأرباح، في حين أنه يفعل العكس تمامًا.
Eleven Things Organizations Can Learn from Airports by Seth Godin. Seth Godin’s Blog. January 27, 2013.